الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

368

نفحات الولاية

فقد أثبت التاريخ وقوع هذا العذاب رغم تأخيره ، وبالطبع فليس لهذا التأخير من أهميّة مقارنة بعمر العالم . ثم خاض عليه السلام في أسباب هذا الموضوع ( التشابه في المصير ) ليركز على أهمها فقال : « فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ . فَلَعَنَ اللَّهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي ، والْحُلَمَاءَ « 1 » لِتَرْكِ التَّنَاهِي » . والكلام إشارة إلى الآية القرآنيّة الشريفة التي تقول : « لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنكَر فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ » « 2 » . وبالطبع وردت إشارات إلى سائر عوامل سقوطهم في القسم القادم من الخطبة ؛ إلّا أنّ عبارة الإمام عليه السلام تشير إلى أنّ أفدح أخطائهم تركهم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك لأنّ تطبيق جميع الأحكام الشرعيّة يتوقف على إحياء هاتين الفريضتين ، فإن أُقيمتا أُقيمت جميع الفرائض وإن تركتا تعطلت سائر الفرائض والت إلى الفناء والزوال ، ولذلك ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « إنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ . . . فَريضَةٌ عَظيمَةٌ بِها تُقامُ الْفَرائِضُ » « 3 » . وسنتطرق إن شاء اللَّه في الخطب القادمة إلى الأهميّة الفائقة لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام في الموضع الذي ورد الحديث فيه صراحة عن هذه الفريضة . ثم اختتم الإمام عليه السلام كلامه في هذا الجانب من الخطبة بالقول : « أَلَا وقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْاسْلَامِ ، وعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ ، وأَمَتُّمْ أَحْكامَهُ » .

--> ( 1 ) . « الحلماء » جمع « حليم » بمعنى العاقل ومن مادة « حُلُم » على وزن « سُبُل » بمعنى العقل . ( 2 ) . سورة المائدة ، الآيتان 78 و 79 . ( 3 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 56 .